سيد محمد طنطاوي

445

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقرأ ابن كثير * ( مُبَيِّنَةٍ ) * بفتح الياء - أي : بفاحشة قامت الحجة على مرتكبيها قياما لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة . أي : واتقوا اللَّه ربكم - أيها المؤمنون - فيما تأتون وتذرون ، ومن مظاهر هذه التقوى ، أنكم لا تخرجون زوجاتكم المطلقات من مساكنهن إلى أن تنقضي عدتهن ، وهن - أيضا - لا يخرجن منها بأنفسهن في حال من الأحوال ، إلا في حال إتيانهن بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ثبوتا واضحا . فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهي عدتهن ، ونهى المعتدات عن الخروج منها إلا عند ارتكابهن الفاحشة الشديدة القبح . وأضاف - سبحانه - البيوت إلى ضمير النساء فقال : * ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) * للإشعار بأن استحقاقهن للمكث في بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق المالك لما يملكه ، ولتأكيد النهى عن الإخراج والخروج . وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن المطلقة لا يصح إخراجها أو خروجها من بيت الزوجية ما دامت في عدتها ، إلا لأمر ضروري . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) * أي : من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضي عدتهن . . . وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناء به ، والنهى عن الإخراج يتناول بمنطوقه عدم إخراجهن غضبا عليهن ، أو كراهة لمساكنتهن . . . ويتناول بإشارته عدم الإذن لهن بالخروج ، لأن خروجهن محرم ، لقوله - تعالى - : * ( ولا يَخْرُجْنَ ) * فكأنه قيل : لا تخرجوهن ، ولا تأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ، فهناك دلالة على أن سكونهن في البيوت حق للشرع مؤكد ، فلا يسقط بالإذن . . وهذا رأى الأحناف . ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز . إذ الحق لا يعدوهما ، فيكون المعنى : لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن . والاستثناء في قوله : * ( إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) * يرى بعضهم أنه راجع إلى * ( ولا يَخْرُجْنَ ) * فتكون الفاحشة المبينة هي نفس الخروج قبل انقضاء العدة ، أي : لا يطلق لهن في الخروج ، إلا في الخروج الذي هو فاحشة ، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه ، فيكون ذلك منعا من الخروج على أبلغ وجه . . كما يقال لا تزن إلا أن تكون فاسقا . . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 133 .